الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
76
نفحات القرآن
يجعله ينسى أعزّ أحبائه ، فهو لا يهتم بالأبناء ولا بالزوجة ولا بالوالدين ولا بأعز الأصدقاء ، ولا يهتم إلّابانقاذ نفسه لا غير . وجاء في الحديث الشريف : « كُلُّ احدٍ يقولُ يومَ القيامة نفسي نفسي من شدّة هول يوم القيامة سوى محمد صلى الله عليه وآله فإنّه يُسألُ في أمته » « 1 » . 45 - يومَ يقومُ الناسُ لِرَبِّ العالمين هذا التعبير في الواقع هو توضيح لاسم ( القيامة ) في قوله تعالى : « يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ » . ( المطففين / 6 ) إنّه قيام يدل على جدّية الموقف في ذلك اليوم ، ودليلٌ على الحضور في محكمة كبرى ، ودليل على خضوع جميع الأعمال للحساب . ومن الجدير بالذكر أنّ القرآن المجيد أتى بهذا التعبير في سورة المطففين لتحذير وتنبيه الذين يبخسون الميزان ، قال تعالى : « أَلَا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ » ثم يضيف « يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَميِنَ » . ( المطففين / 4 - 5 ) أي أنّهم لو كانوا على يقين بأنّ مثل هذا « الحضور » و « القيام » في يوم كهذا واقع حتماً لما ارتكبوا السيئات أبداً ، ولكن للأسف أنّ حب الدنيا والغفلة والغرور وطول الأمل ظلل على أفكارهم وقلوبهم وأرواحهم ظِل الشؤم والظلام ممّا جعلهم يغفلون هذه الحقائق . جاء في احدى الروايات « عن ابن عمر وهو من أصحاب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه وعند قراءته لسورة المطففين : لمّا بلغ قوله « يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمينَ » بكى بكاءً شديداً أعجزه عن مواصلة القراءة » « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ، ج 6 ، ص 3809 . ( 2 ) تفسير الكبير ، ج 31 ص 90 ؛ تفسير القرطبي ، ج 10 ، ص 7046 .